الغزالي

21

ميزان العمل

ولذلك يقول الغزالي في « التهافت » عقيب هذه الفقرة مباشرة : [ وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل بمسالك البراهين ، ووجه ترتيب المقدمات ، على أشكال المقاييس ، ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك بمسالك عقلية . وقد بان عجزكم ، وتهافت مسالككم ، وافتضاحكم في دعوى معرفتكم . وهو المقصود من هذا البيان فأين من يدعى أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات ؟ ] فمن هذه المقارنة العاجلة بين منهج علماء الكلام ، ومنهج الفلاسفة ، تتضح مهمة علماء الكلام ، التي تقوم على صيانة ثروة وصلت إليهم أكثر مما تقوم على خلق ثروة جديدة وهذا هو الفرق بين علماء الكلام والفلاسفة . الفلاسفة يحاولون أن يخلقوا وعلماء الكلام ليس من مهمتهم أن يخلقوا ، ويوضح الغزالي مهمة علماء الكلام في كتابه « المنقذ من الضلال » الذي رسم فيه مراحل خطواته في تعقب الحقيقة إيضاحا أكثر تحديدا مما ذكره في « التهافت » قال : [ ثم إلى ابتدأ بعلم الكلام - أي بعد أن شفاه اللّه من مرض الشك ، وأعاد إليه الوثوق بالضرورة العقلية - فحصلته وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف ] ثم ما ذا ؟ ما ذا نتوقع أن يكون بين الغزالي وبين علم الكلام ، بعد أن عرفنا أن « الغزالي » لا يريد أن يرث ثروة ، وإنما يريد أن يكسب ثروة ، يريد أن يحصلها بنفسه ، وأن يعرف مصدر كل جزء منها ، معرفة تقرها الضرورة العقلية ، التي لا سبيل له في حالته الراهنة إلى أن يقبل شيئا على غير هداها . لذلك لا ينبغي أن يفاجئنا ما يعلنه الغزالي في غير خفاء ولا مواربة ، من عدم إمكان الالتقاء بينه وبين علم الكلام : [ . . . فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودى ] « 1 » ولما كان مقصود « الغزالي » قد اتضح فيما قص علينا من أمر نفسه سابقا ، قصصا

--> ( 1 ) هذا النص يأتي بعد النص السابق مباشرة ، المقتبس من « المنقذ من الضلال » .